ابن عربي
78
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
الشديد شديد سواده ، يقول : خالص ما فيه شبهة ولا مزج فخلص لمن قام به ، وإن جعله من الرجوع من حار يحور فهو ميل إليه بضرب من المحبة والغنج لتقع به اللذة ويكون أمكن في العقل في قلب المشاهد وضرب آخر من العلوم في قوله : من كل ثانية : أي عاطفة ، يقول : هذه المعرفة والحكمة لها عطف وحنان على من تعشق بها ، ولهذا أكده بأغيد وهو الميل وذكر الجيد وهو العنق وأراد به عالم النور وهو ما لهم في ذلك العالم من الطول والفضل على الغير كما قال عليه السلام : « المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة » « 1 » أي لهم ظهور وتمييز على الناس يعرفون به فإن العنق هو الذي كان محل مجرى النفس موضع التنفس إلى الفم في الأذان ففيه امتداد فلهذا نسب الطول وجعله أجرا له في ذلك المحل . تهوى فتقصد كلّ قلب هائم * يهدي « 2 » الحسان براشق ومهند تعطو برخص كالدّمقس منعّم * بالنّد والمسك الفتيق مقرمد « 3 » يقول : إن هذه الحكمة لما كانت عالية الأوج سامية المكانة وصفها بالهوى الذي هو النزول من أعلى إلى كل قلب متعلق هائم أي حائر في طلبها لجهله بمكانها ، ثم وصف هذا القلب بأنه يهوى الحسان وهي هذه الحكم التي ذكرناها من مقام المشاهدة ، وقوله : براشق ، أي تقصده معناه ترميه براشق يريد سهم اللحظ ، ومهند من كونه سيفا فتصيبه بالراشق وتقطعه عن غيرها بكونه سيفا ، ونسبه إلى الهند موضع الحكم الأول لأنه محل مهبط آدم عليه السلام الذي كان ينبوع الحكمة ، فأول موضع انفجرت فيه ينابيع الحكمة كان الهند على لسان آدم عليه السلام ، وقوله : تعطو برخص ، يقول : تتناول بيد النعمة على هذا العبد والقبول والإشارة لمثل ما ورد في الخبر : « إنّ الصدقة تقع بيد الرحمن فيربيها » « 4 » ثم وصف هذه اليد بالدّمقس فهي منزهة عن الشوب بالألوان ، فإنّ الدمقس هو الحرير الذي ما تصبغ بلون غير لونه الذي خلق عليه فوصفها بالتنزيه ووصفها بالنعومة وهو اللين إشارة إلى يد العطف والحنان والرفق في التناول ، ثم نعتها بالطيب الخالص والمشوب بغيره وهو الند وجعلها ملطخة به ، فهي عبارة عن التخلق بالخلق الإلهية والأسماء الحسنى ، فإنّ الند أخلاط من الطيب فالتخلق بها في حق العبد ، والإشارة هنا بمرقد أي هي موصوفة بهذه الأشياء المذكورة وكذلك هو ، قال اللّه تعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [ الأعراف : 180 ] وهي في حق العبد
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) في نسخة أخرى : يهوى . ( 3 ) الرّخص : الناعم . الدّمقس : الحرير أو الأبيض منه . النّدّ : ضرب من النبات يتبخر بعوده . الفتيق : الصبح الفتيق : المشرق . قرمد الحائط بالجص : طلاه به . ( 4 ) أخرجه ابن كثير في ( التفسير 5 / 428 ) .